الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
47
مختصر الامثل
ينزل هنا آخر ضربة بالكفر ، ويميّز صفّ المنافقين عن صفوف المسلمين . وأخيراً انتهت هذه الغزوة بانتصار المسلمين فقد هبّت بأمر اللَّه عاصفة هوجاء إقتلعت خيام الكفار وأتلفت وسائلهم ، وألقت في قلوبهم الرعب الشديد ، وأرسل سبحانه قوى الملائكة الغيبية لعون المسلمين . وقد أضيف إلى ذلك تجلّي قدرة وعظمة أمير المؤمنين علي عليه السلام أمام عمرو بن عبد ودّ ، فلاذ المشركون بالفرار من دون القدرة على القيام بأيّ عمل . نزلت الآيات السبع عشرة من هذه السورة ، واستطاعت بتحليلاتها الدقيقة والفاضحة أن تستفيد من هذه الحادثة المهمة من أجل انتصار الإسلام النهائي وقمع المنافقين بأفضل وجه . يلخّص القرآن الكريم هذه الحادثة في آية واحدة أوّلًا ، ثم يتناول تبيان خصوصياتها في الستّ عشرة آية الأخرى ، فيقول : « يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ [ كثيرة جدّاً ] فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا » . ويعلم أعمال كل جماعة وما قامت به في هذا الميدان الكبير . إنّ التعبير ب « الجنود » إشارة إلى مختلف الأحزاب الجاهلية كقريش وغطفان وبني سليم وبني أسد وبني فزارة وبني أشجع وبني مرّة ، وكذلك إلى طائفة اليهود في داخل المدينة . إنّ المراد من « جُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا » والتي نزلت لنصرة المسلمين ، هو « الملائكة » التي ورد نصرها للمؤمنين في غزوة بدر في القرآن المجيد بصراحة . والملائكة نزلت لرفع معنويات المؤمنين وشدّ عزيمتهم وإثارة حماسهم . وتقول الآية التالية تجسيداً للوضع المضطرب في تلك المعركة ، وقوّة الأعداء الحربية الرهيبة ، والقلق الشديد لكثير من المسلمين : « إِذْ جَاءُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الْظُّنُونَا » . إنّ الجملة أعلاه إشارة إلى محاصرة هذه المدينة من قبل أعداء الإسلام . إنّ جملة « زَاغَتِ الْأَبْصَارُ » - بملاحظة أنّ « زاغت » من مادة الزيغ ، أي الميل إلى جانب واحد - إشارة إلى الحالة التي يشعر بها الإنسان عند الخوف والاضطراب ، حيث تميل عيناه إلى جهة واحدة ، وتتسمّر وتثبت على نقطة معيّنة ، ويبقى متحيّراً حينذاك . وجملة « وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الْظُّنُونَا » إشارة إلى أنّ بعض المسلمين خطرت على أفكارهم ظنون شيطانية .